المنجي بوسنينة
411
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بطبع ديوانه « إشراقة » ، أحرق قصائده التي اعتقد ألا فضل له فيها غير ترداد تعابير أصبحت في متناول كل الشعراء ، واستثنى بعض القصائد التي كانت لها مكانة خاصة في نفسه ، كقصيدة « ملاحن فيها الهوى والألم » ، وقصيدة « مدامع ومحاجر » . أما غير هذه القصائد في ديوانه ، فنجدها تحمل طابعا لم يعهده الشعر السوداني حينذاك ، قبل التجاني ، فهي تحمل بداية مرحلة جديدة متشبّعة بثقافة مغايرة لثقافته المعهدية ، فأغلب قصائد « إشراقة » كانت نتاجا لثقافة جديدة ، ومفاهيم حديثة ، غزت العالم العربي ، وانفعل بها الشاعر ، فعبّر عنها . أما هذه الثقافة فمنبعها واحد ، ولكنها وفدت إليه من مجريين ، أحدهما مصر والآخر المهجر . وقد عرف الأدباء السودانيون عن قادة النهضة الأدبية في مصر ، أمثال العقاد ، وطه حسين ، والمازني ، وعبد الرحمن شكري ، مما تنشره على صفحاتها المجلات الأدبية : الهلال ، المقتطف ، البلاغ الأسبوعي ، مجلة أبولو ، الرسالة ، الثقافة . وقد نشرت مجلة « الرسالة » لبعض الأدباء السودانيين : الأستاذ عبد الله عشري الصديق ، والأستاذ المبارك إبراهيم ، والأستاذ عبد الله عبد الرحمن . وكان شاعرنا التجاني ضمن من كتبوا في « الرسالة » مقالات نقدية ، وقصائد شعرية . وقد انحصر تأثر التجاني بهذه التيارات الأدبية التي كانت تعج بها الحياة الثقافية في مصر ، في : 1 - اتجاهات « مدرسة الديوان » التي برزت على أيدي ثلاثة شعراء هم : العقاد ، المازني ، شكري . 2 - مدرسة « مجلة أبولو » التي أنشأها الدكتور أحمد زكي أبو شادي ، والتي كانت معرضا لشعراء الجيل الجديد ، وعلى صفحاتها عرف التجاني الشاعر التونسي أبا القاسم الشابي ، وفتن به ، ورثاه عند وفاته بقصيدة رائعة حزينة - كما ذكر الأستاذ حسن نجيلة في كتابه : « دراسات في شعر التجاني » - كما كانت المجلة منفتحة على شعراء المهجر . بعد أن ترك التجاني العمل بمجلة « أم درمان » ، اعتكف في منزلة ، يقرأ كتب الأدب العربي القديم ، وكتب التصوف والفلسفة ، ويطلع على ما تيسر له من كتابات المعاصرين والمجدّدين من أدباء وشعراء العربية ، وغيرهم من أدباء الغرب ، عبر ما ترجم لهم إلى العربية . ثم ثقلت عليه العلّة ، واشتد عليه المرض ، فمات بداء الصدر عام 1937 م عن خمسة وعشرين عاما هام فيها على وجهه في ربوع وطنه الذي منحه أغلى ما عنده ، ولم يأخذ منه شيئا يذكر . وقد رثاه أستاذه وصديقه الأستاذ حسين منصور ، في كتابه « الشاطئ الصخري » ، فقال : « فقد الأدب السوداني الحديث شخصية فذّة ، كان يرجى منها الخير الكثير لهذا الأدب عامة ، وللشعر خاصة ، ذلك هو الأديب الشاب التجاني يوسف بشير ، صاحب ديوان إشراقة الذي لم يطبع بعد ، وما أظنّني جزعت على أحد جزعي عليه ، فقد لزمني - رحمه الله - منذ التحاقي بالتدريس في المعهد العلمي بأم درمان ، ملازمة الطالب وملازمة الصديق . ولمست فيه من الصفاء وقوة الطبع ، ما لم